هل تشكّل الفدرالية مخرجاً للبنان من صراعاته الأهلية وأزماته السياسية؟
د. سليم الزيبق
Tuesday, 23-Jun-2026 06:46

منذ فترة ليست بالقصيرة، عادت الفدرالية إلى واجهة النقاش في لبنان، وأصبحت موضوعاً حاضراً في الصحافة والندوات والبرامج التلفزيونية. ويرى مؤيّدوها، أنّها الحل لمختلف الأزمات والصراعات التي يعاني منها لبنان. في المقابل، يُثير هذا الطرح العديد من التساؤلات، حول مدى ملاءمة النظام الفدرالي للواقع اللبناني وقدرته الفعلية على معالجة أسباب الأزمات القائمة. فأين يقف لبنان إزاء هذا الطرح، وإلى أي مدى يمكن للفدرالية أن تشكّل حلاً لمشاكله البنيوية؟

كثيراً ما يُساورنا التردُّد قبل الخوض في موضوع كُتب عنه الكثير، ونتساءل عن جدوى إضافة نص جديد الى رصيد هائل من الدراسات والأبحاث المنشورة بمختلف لغات العالم. ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً عندما يتعلّق الأمر بمفهوم الفدرالية التي استأثرت باهتمام كبار المفكّرين والفلاسفة من Montesquieu إلى Marx، مروراً بـKant وTocqueville. ومع ذلك، سنحاول التطرُّق إلى هذا الموضوع، طالما أنّ هدفنا لا يكمن في ادّعاء تقديم طرح جديد لمفهوم الفدرالية، بقدر ما يكمن في استعراض وتحليل هذا المفهوم، لتبيان خصائص الدولة الاتحادية والمبادئ التي تقوم عليها، بغية الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها إشكالية التنظيم الدستوري للمجتمعات التعدُّدية، كالمجتمع اللبناني.

 

منذ اندلاع الحرب الأهلية سنة 1975، وفي خضم الأزمات السياسية المُتعاقبة، تُطرح فكرة الفدرالية، من قِبل شريحة من اللبنانيّين، كحل للخلل الذي يعتري النظام السياسي اللبناني. بالنسبة إلى هؤلاء، تَميّز هذا النظام، ولا يزال، بالأزمات والحروب، بسبب عدم توافقه مع نسيج المجتمع الطائفي، وعدم أخذه في الإعتبار الفوارق العميقة بين الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لمختلف الطوائف. وهذا ما يفسّر في نظرهم، فشله في صهر المجموعات الطائفية في بوتقة مجتمع وطني متجانس، الأمر الذي يُعدّ شرطاً أساسياً لبناء دولة قوية ومستقرة. انطلاقاً من ذلك، يؤكّد هذا الفريق من اللبنانيّين، أنّ الطائفية ظاهرة متجذّرة ودائمة، وأنّ العلمنة أو إلغاء الطائفية السياسية، لا يؤدّيان إلّا إلى حُكم الأغلبية الديموغرافية وترسيخ القلق الوجودي عند بعض الطوائف.

 

وعليه، يعتقد هؤلاء أنّ التحدّي الأكبر يكمن في الإعتراف بفشل الصيغة الحالية والتفكير بصيغة جديدة، تأخذ في الاعتبار هواجس المجموعات الدينية، وتؤمِّن لكل منها الإطار الدستوري الذي يضمن احترام هويّتها وخصوصيّتها، وإنّ هذه الصيغة لا يمكن أن تكون إلّا الفدرالية.

من هنا ينبثق السؤال الذي يُطرح مراراً: هل تشكّل الفدرالية حلاً للأزمات السياسية المتكرّرة في لبنان وضمانة للحدّ من تجدُّد الصراعات الأهلية، أم أنّها تؤدّي إلى إعادة إنتاج الانقسامات القائمة ضمن إطار مؤسساتي جديد؟

 

إنّ معالجة هذا الموضوع وفق منهجية علمية قائمة على دراسة مبادئ الفدرالية وأسباب الخلل في النظام اللبناني، تتيح لنا تحديد مدى ملاءمة الفدرالية للحدّ من الأزمات والصراعات اللبنانية (2).

إلّا أنّه قبل التطرُّق إلى هذه المسألة، يقتضي تحديد موقع الفدرالية مقارنةً بأشكال أخرى متميّزة ومنفصلة تماماً عنها (1)، لكنّها لا تخلو من وجود صلة قرابة معها، وإن كانت هذه الصلة أحياناً بعيدة. إنّ أهمّية التمييز بين مفهوم الفدرالية والمفاهيم القريبة منه، تنبع من ضرورة تفادي الخلط بينها، عن قصد أو عن غير قصد، في إذهان المواطنين وبعض رجال السياسة. فبعضهم يدعو إلى الفدرالية تمهيداً للوصول إلى الكونفدرالية، فيما ينظر آخرون إلى اللامركزية الإدارية كمرحلة انتقالية نحو النظام الفدرالي.

 

1- الفدرالية والمفاهيم ذات الصلة

ضمن هذا الإطار، يتعيّن التمييز بين الدولة الفدرالية (L’État fédéral) والاتحاد الكونفدرالي (La confédération) من جهة وبين الدولة الفدرالية والدولة البسيطة اللامركزية (L’État unitaire décentralisé) من جهة أخرى.

 

- الدولة الفدرالية والاتحاد الكونفدرالي:

بادئ ذي بدء، ينبغي التأكيد على أنّ الفدرالية لا تعني مطلقاً التقسيم وإنما تُعتمد، في كثير من البلدان، إمّا كحل لمشكلة التعايش في المجتمعات التعدُّدية، أو كوسيلة لتمكين مجموعات سكّانية غير متجانسة بما يكفي لتشكيل دولة بسيطة، من العيش معاً.

Cf. G. Vedel, Droit constitutionnel, Sirey, 1949, p.109.

 

فالنظام الفدرالي هو الذي ساهم، منذ 1787، في تحوُّل الشعب الأميركي إلى أمّة متماسكة، وهو الذي أتاح في سويسرا، منذ سنة 1848، تعايش مكوّنات مختلفة من حيث اللغة والعرق والدين. لذا، فإنّ الدولة الاتحادية تبقى دولة كاملة الأركان، تتوافر فيها ذات العناصر التي تقوم عليها الدولة البسيطة والمتمثلة في الإقليم والشعب والسلطة السياسية ذات السيادة. صحيح أنّ الكيانات المُكوِّنة للاتحاد (Les entités fédérées)، تتمتع بقدر واسع من الاستقلال الذاتي، إلّا أنّها لا تملك سيادة كاملة، لأنّ سيادتها واختصاصاتها تظل مقيّدة بالسيادة التي تعلوها، أي سيادة الدولة الاتحادية (L’État fédéral)، وفقاً لما ينص عليه دستور الدولة الاتحادية.

 

ومع ذلك، فإنّ الدولة الفدرالية، شأنها شأن سائر الدول، ليست بمنأى عن التقسيم أو التفكك تحت ضغط النزاعات الداخلية أو الضغوط الدولية، كما حدث للاتحاد السوفياتي وليوغوسلافيا في بداية تسعينيات القرن الماضي.

أمّا في ما يتعلّق بتحديد مفهوم الفدرالية وتمييزه عن أنّ المعيار الأساسي للتمييز بين الكونفدرالية والدولة الفدرالية هو مفهوم السيادة. إذ إنّ كل اتحاد تحتفظ فيه الدول الأعضاء بسيادتها الكاملة لا يُنشئ دولة جديدة ذات سيادة، وإنما يظل مجرّد رابطة بين دول مستقلة، كالكومنولث، الجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي. أمّا إذا آلت السيادة إلى كيان اتحادي واحد، فإنّ الوحدات المكوِّنة له تفقد سيادتها الدولية، وتغدو مجرّد أقاليم مكوّنة للدولة الاتحادية، من دون أن تحتفظ بصفة الدولة المستقلة.

 

انطلاقاً من مفهوم السيادة، يتفق فقهاء القانون على أنّ الكونفدرالية هي رابطة (Association) بين دول ذات سيادة وفقاً لأحكام القانون الدولي، تنشأ بموجب معاهدة دولية (Traité)، وتتفق الدول الأعضاء من خلالها على التعاون في بعض المجالات المشتركة، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها الكاملة واستقلالها.

Cf. L. Favoreu, Droit constitutionnel, Dalloz, 2000, p.425 et s.

 

إنّ هشاشة الصيغة الكونفدرالية تعود إلى طبيعتها القائمة على التعاون بين دول ذات سيادة، الأمر الذي يفرض اتخاذ القرارات وتنفيذها بالإجماع، ممّا يحدّ من فعالية العمل المشترك. وقد أظهرت بعض التجارب التاريخية، أنّ الصيغة الكونفدرالية غالباً ما تشكّل مرحلة انتقالية نحو الدولة الفدرالية، كما حدث في الولايات المتحدة سنة 1787 وفي سويسرا سنة 1848.

أمّا الدولة الاتحادية (الفدرالية)، فهي "اتحاد (union) بين دولتَين أو أكثر ينشأ عن دستور (Constitution) تتخلّى بموجبه هذه الدول عن كامل سيادتها الدولية وعن جزء من سيادتها الداخلية لصالح الدولة الجديدة التي تنبثق عن هذا الاتحاد، أي الدولة الاتحادية".

Cf. P. Pactet, Droit constitutionnel, A. Colin, 2005-G. Vedel, op.cit., p. 10

 

إنّ قيام الاتحاد على "دستور" وُضع باسم الشعب بكامله، وليس باسم الدول المعنية بالاتحاد، يؤدّي إلى نشوء دولة جديدة تتوفّر فيها كل مقوّمات الدولة وتتمتع بكامل السيادة.

فالمعيار الجوهري للدولة الاتحادية يكمن في قيام نظام سياسي يضمّ، على الإقليم نفسه وللسكان أنفسهم، مستويَين متراكبَين (superposées) من السلطة السياسية هما: الدولة الاتحادية والإقليم العضو في الاتحاد. بصورة أوضح، يمكن تشبيه الدولة الاتحادية ببناء ذي طابقَين: في الطابق السفلي توجد الكيانات التي تخلّت عن الانفراد بممارسة سيادتها، ولا سيما في المجال الدولي، لصالح دولة جديدة تقع في الطابق العلوي، وهي الدولة الاتحادية. من هذا المنظور، يمكننا ملاحظة وجود أوجه شبه ظاهرية بين الدولة الفدرالية والدولة البسيطة اللامركزية.

 

- الدولة الفدرالية والدولة البسيطة اللامركزية:

خلافاً للدولة الفدرالية التي تضمّ مستويَين متراكبَين من السلطة السياسية، تتميّز الدولة البسيطة أو الموحّدة، بوحدة السلطة السياسية. فالدولة البسيطة هي الدولة التي تُفرض فيها إرادة سياسية واحدة على جميع المواطنين. ففي الدولة البسيطة لا يوجد سوى مجلس نواب واحد، حكومة واحدة، إدارة واحدة، وتنظيم قضائي واحد. بعبارة أخرى، الدولة الموحّدة لا تراعي التعدُّدية داخل المجتمع. فجميع القرارات، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضاً في المجال الإداري، تصدر عن السلطة المركزية.

 

على رغم من هذه الفروقات، يُعدّ التمييز بين الدولة الفدرالية والدولة البسيطة أكثر صعوبة، ذلك أنّ معظم الدول البسيطة تعتمد اللامركزية الإدارية. وتتمثل هذه اللامركزية في الإعتراف لبعض الوحدات المحلية (collectivités locales) بحق إدارة شؤونها "الإدارية" بنفسها من قِبل مجالس محلية مُنتخبة من المواطنين أصحاب العلاقة. وقد يَبلغ نطاق هذه اللامركزية مدى واسعاً، فيَصعُب تمييزها عن الفدرالية، كما هو الحال في إسبانيا وإيطاليا، حيث بدأ الفقه يتكلّم عن مفهوم "الدولة الإقليمية" (État- régional) التي تتمتع باختصاصات "تشريعية" وإدارية واسعة.

Cf., F. Hamon et M. Troper, Droit constitutionnel, LGDJ, 35ème éd. P.80.

 

إلّا أنّه كما يرى العميد Georges Vedel (op.cit. p.111)، فإنّ المعيار الحاسم يظل معيار المشاركة. ففي الدول الاتحادية تشارك الكيانات المُكوّنة للاتحاد في تكوين إرادة الدولة الاتحادية وصناعة قراراتها. أمّا في الدول البسيطة اللامركزية، فلا يوجد ما يماثل هذه المشاركة.

بعد تحديد مفهوم الفدرالية، ينبغي التساؤل عمّا إذا كان هذا الشكل من أشكال الدولة يشكّل مخرجاً للبنان من أزماته السياسية وصراعاته المتكرّرة.

 

2- الفدرالية وخلل النظام السياسي اللبناني

من نافل القول، إنّ النظام الفدرالي يُعدّ من أفضل الأنظمة للدول المُكوَّنة من مجموعات دينية أو قومية أو حضارية متعدِّدة. ومن المعلوم أيضاً أنّ تحوُّل دولة موحّدة مركزية، كلبنان، إلى دولة فدرالية (Fédéralisme par dissociation)، غالباً ما يكون نتيجة خلل في النظام السياسي، يؤدّي إلى خلافات سياسية عميقة تمسّ جوهر الكيان ووجوده، وهو ما ينطبق على الوضع في لبنان. وهذا ما حدث في بلجيكا التي تحوَّلت سنة 1993 من دولة بسيطة إلى دولة فدرالية بسبب الخلافات بين المجموعات المكوّنة للمجتمع البلجيكي. فللوهلة الأولى، يمكن القول إنّ النظام الفدرالي هو النظام الأنسب للبنان، كونه يعطي كل مكوّن قدراً من الاستقلال الذاتي لإدارة شؤونه، ممّا يؤدّي حُكماً إلى الحدّ من أسباب الأزمات والصراعات.

 

إلّا أنّ هذا الاستنتاج يَنِمّ عن سوء فهم لأسباب الأزمات والنزاعات بين المكونات اللبنانية من جهة، ولمبادئ تنظيم الدولة الفدرالية من جهة أخرى. إنّ هذا التنظيم قد يختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لخصوصياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية. إلّا أنّ غالبية الفقهاء تتفق مع العلامة Georges SCELLE على أنّ كل تنظيم فدرالي يجب أن يرتكز على مبدأين: مبدأ الحُكم الذاتي (L’autonomie) الذي ينطوي على تحديد اختصاص كل من الدولة الاتحادية والكيانات المتحدة، ومبدأ مشاركة هذه الكيانات في تكوين إرادة الدولة الاتحادية (La participation).

G. SCELLE , Manuel de droit international public,1948, pp.256-258.

إنّ قراءة هذَين المبدأين على ضوء جذور الأزمات اللبنانية، تُظهر أنّه من الصعب القول إنّ الفدرالية تشكّل الحل المُرتجى للأزمات والصراعات اللبنانية.

 

- مبدأ الحكم الذاتي وإشكالية توزيع الاختصاصات بين الدولة الفدرالية والأقاليم:

إنّ هذا المبدأ يعني أنّ لكل كيان من الكيانات المُكوِّنة للاتحاد الحق في تنظيم نفسه وممارسة اختصاصاته. من الناحية التنظيمية، يتجلّى مبدأ الحُكم الذاتي بحق كل كيان في اعتماد دستوره واختيار حُكّامه وامتلاك جميع مقوّمات الدولة أي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. أمّا من ناحية الصلاحيات، فإنّ الاستقلال الذاتي يضمن لكل كيان من كيانات الاتحاد الحق في ممارسة صلاحياته من دون أي تدخّل من قبل الدولة الاتحادية.

 

إلّا أنّ هذه الحقوق لا يمكن أن تُمارَس إلّا ضمن احترام دستور الدولة الاتحادية، الذي يوزّع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وكل من الكيانات المتحدة. ويهدف هذا التوزيع إلى تحقيق التوازن بين وحدة الدولة الاتحادية وفعالية مؤسساتها من جهة، وتمكين الوحدات المكوّنة للاتحاد من التمتع بقدر من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها المحلية من جهة أخرى. لتحقيق هذا الهدف، تمارس الكيانات المكوّنة للاتحاد اختصاصاتها في المجالات ذات الطابع المحلي مثل التعليم والصحة والإدارة المحلية، بما ينسجم مع احتياجات سكانها وظروفها الخاصة. وفي المقابل، تحتفظ الدولة الاتحادية بالصلاحيات السيادية، وعلى رأسها العلاقات الخارجية والدفاع والتمثيل الديبلوماسي وإبرام المعاهدات... فوجود سياسة خارجية موحّدة وقوات مسلحة اتحادية واحدة، يضمن حماية مصالح الدولة والحفاظ على أمنها واستقرارها، كما يمنع تضارب المواقف بين الكيانات المكوّنة للاتحاد. ولذلك، تُعدّ الحكومة الاتحادية الممثل الرسمي للدولة في المحافل الدولية وصاحبة الاختصاص الحصري في إبرام المعاهدات وإعلان الحرب وإقامة العلاقات الخارجية.

 

وتظهر هذه القاعدة بوضوح في العديد من دساتير الدول الاتحادية. فدستور الولايات المتحدة الأميركية ينص في مادته الأولى، القسم الثامن، على أن تتولّى الدولة الاتحادية الصلاحيات السيادية (العلاقات الخارجية، إبرام المعاهدات، إعلان الحرب والسلم، الدفاع، تنظيم شؤون الهجرة والتجنّس ومنح الجنسية الأميركية...) أمّا الصلاحيات التي لم يُفوّضها الدستور للدولة الاتحادية، فقد تركها التعديل العاشر للدستور الأميركي للولايات، مثل التعليم، الصحة، والإدارة المحلية... (أنظر المادة 72 من الدستور الألماني والمواد 54، 58، 99، و133 من الدستور السويسري).

 

انطلاقاً ممّا تقدَّم، يبدو أنّ من الصعب القول بأنّ اعتماد الفدرالية سيشكّل بحدّ ذاته حلاً للصراعات والأزمات في لبنان، طالما أنّ معظم الخلافات اللبنانية تتمحور حول القضايا السيادية التي تبقى من اختصاص السلطة الفدرالية. فالواقع السياسي اللبناني يُظهر أنّ معظم الأزمات والصراعات الكبرى التي عصفت بالبلاد منذ الاستقلال تمحورت حول قضايا تتعلّق بالسياسة الخارجية والدفاع، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية وهوية لبنان ودوره في محيطه العربي والدولي.

 

فأزمة 1958 تعود إلى الخلاف حول توجّهات السياسة الخارجية للبنان، بين فريق مؤيّد للرئيس كميل شمعون وتوجّهاته الغربية، وفريق آخر متأثر بالمدّ القومي العربي بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. كذلك فإنّ الحرب الأهلية التي بدأت سنة 1975، تأثرت بعوامل سيادية عديدة، أبرزها الوجود الفلسطيني المسلّح والتدخّلات الخارجية. كذلك، برزت الخلافات حول الوجود السوري بعد اتفاق الطائف، ثم ظهرت الانقسامات سنة 2005 بشأن طبيعة العلاقات الخارجية وسلاح "حزب الله" ودور لبنان في الصراعات الإقليمية.

في المقابل، وعلى رغم من أهمّية الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتأثيرها المباشر على المواطنين، فإنّها نادراً ما شكّلت السبب الأساس للانقسامات السياسية الحادة في لبنان، وخير دليل على ذلك الأزمة المالية والنقدية التي يرزح تحت نيرها الشعب اللبناني منذ سنة 2018.

 

في ظل هذه المعطيات، يبدو أنّ اعتماد الفدرالية في لبنان لن يؤدّي إلى معالجة الأسباب العميقة للأزمات القائمة، بل إلى نقلها من إطار الدولة المركزية الحالية إلى مؤسسات الدولة الاتحادية. وهذا ما يعزّزه مبدأ المشاركة الذي يقتضي إشراك مختلف المكوّنات في إدارة الشؤون السيادية والقرارات الاتحادية.

- مبدأ المشاركة في الدولة الفدرالية وانعكاساته على التمثيل الطائفي في المؤسسات الفدرالية:

يُعتبر هذا المبدأ المعيار الأساسي للدولة الفدرالية. بما أنّ الدولة الاتحادية هي ثمرة الإرادة المشتركة للكيانات المكوّنة للاتحاد، فإنّه من المنطقي أن تُشارك هذه الكيانات في عمل مؤسسات الدولة الاتحادية وحياتها السياسية.

 

تتجسّد هذه المشاركة بكون السلطة التشريعية، في غالبية الدول الاتحادية، تتألف من غرفتَين: أولهما غرفة تُمثل سكان الدولة الاتحادية ككل، ويُحدَّد تمثيل الكيانات المكوّنة للاتحاد في هذه الغرفة، وفقاً لوزنها الديموغرافي. أمّا الغرفة الثانية، فتُمثل الكيانات المكوّنة للاتحاد على قدم المساواة، بصرف النظر عن حجمها الديموغرافي. فعلى سبيل المثال، يضمّ مجلس الشيوخ الأميركي شيخَين عن كل ولاية، وفي سويسرا، يتمتع كل كانتون بحق تمثيله بعضوَين في مجلس الكانتونات. فمن خلال الغرفة الثانية، تشارك الكيانات المكوّنة للاتحاد في تكوين إرادة الدولة الاتحادية.

 

وعليه، فإنّ مبدأ المشاركة، على رغم من أهمّيته في ضمان تمثيل مختلف الجماعات، قد يؤدّي في المجتمعات المنقسمة طائفياً كالمجتمع اللبناني، وخصوصاً إذا رُسِّمت حدود الكيانات المكوّنة للاتحاد على أساس طائفي، إلى تكريس الولاءات الطائفية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ممّا ينعكس على عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات الاتحادية، ويجعلها ساحة لإعادة إنتاج النزاعات الطائفية بدلاً من تجاوزها.

 

يظهر ممّا تقدَّم، أنّ اعتماد النظام الفدرالي ليس بالحل السحري، ولا يؤدّي بالضرورة إلى إنهاء الأزمات السياسية. فعلى رغم من التحوُّل التدريجي لبلجيكا إلى دولة فدرالية سنة 1993 ومنح الأقاليم صلاحيات واسعة، استمرّت الانقسامات بين المكوّنات المختلفة، وبرز ذلك بوضوح خلال أزمة تشكيل الحكومة بين عامَي 2010 و2011 التي استمرّت 541 يوماً.

 

في المحصّلة، إنّ نجاح أي نظام فدرالي في لبنان يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على بناء مؤسسات وطنية فعّالة وتعزيز مفهوم المواطنة، بما يحدّ من تأثير الانقسامات الطائفية على عمل المؤسسات الاتحادية. غير أنّه، إذا تمكنت الدولة من تحقيق هذه الأهداف، هل تبقى هناك من حاجة لاعتماد النظام الفدرالي؟

الأكثر قراءة